السبت، 3 أبريل، 2010

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته



مضى إلى الآن ما يزيد عن خمسة أشهر منذ آخر مرة كتبت إليكِ فيها
وبالطبع لم تمر هذه الأشهر هكذا هباءً ولكنها كانت حافلة بالأحداث إلى أقصى درجة، لدرجة جعلتني لا أملك الوقت الذي أحدثكِ فيه

فكما قلت لكِ بالمرة السابقة، أن من كان مقرر لهم المجيء قد اتصلوا بوالدي ليؤجلوا الموعد، وقد ظننت وقتها أن هذه هي الإشارة للرفض.. ولكن الأيام أثبتت لي عكس ذلك..

فقد تم تجديد الموعد في الجمعة التي تليها، وقد أتوا إلينا -هو ووالدته وصديق والدي- محملين بالهدايا كتعويض لتأجيل الموعد في المرة السابقة، وقد قدموا اعتذارات كثيرة مؤكدين على عدم استطاعتهم الحضور وقتها للظروف الطارئة التي سبق وأخبرونا بها

استقبلهم والدي في بادئ الأمر، ثم تلته والدتي ومعها واجب الضيافة، وأخذوا يتحدثوا بعض الوقت، ثم نادتني والدتي لأنضم إليهم؛ أتعرف عليهم ويتعرفون عليِّ

بالطبع قام صديق والدي بدور كبير لنشر جو من الود والألفة في اللقاء، أخذ يبدأ طرف الخيط ثم يناوله لوالدة الشاب ثم يلتقطه منها مرة أخرى ويناوله لوالدتي ثم يحاول تمريره إليّ وإلى الشاب وهكذا.. ويتكلم مع والدي بعض الوقت، ثم أخذ والدي وانتحوا جانبًا ليتبادلوا الحديث ويتركوا المجال لأربعتنا للتعارف أكثر

ومن هنا عرفت أنه -الشاب- يتيم الأب منذ أن كان في الخامسة عشر من عمره، وأن له شقيقتين تصغرانه -واحدة بثلاثة أعوام والأخرى بخمسة- وقد تحمّلت والدته مسئولية الأسرة في بادئ الأمر بمساعدة العائلة.. وبعد أن أنهى هو دراسته الثانوية بدأ يحمل عنها بعض هذه المسئولية، ويعوّض شقيقتيه الشعور بفقدان الأب -بالسؤال عنهما في دراستهما وتبادل الآراء والنقاشات وما إلى ذلك

كان قليل الكلام -وكذلك أنا-.. ولكنه لم يكن متردد، وقد كان انطباعنا الأول هو الشعور بالرضا والراحة
وتوالت الزيارات بيننا بعد ذلك، وقد تقابلت مع شقيقتيه اللتان كانتا ودودتين للغاية وقد كانت كبراهما متزوجة ولديها طفل في غاية الجمال، والصغرى كانت مخطوبة لشاب طموح وسوف تتزوج بمجرد إنهاء دراستها
وقد كان من المفترض أن نتزوج نحن بعد زواج شقيقته الصغرى لكي يطمئن عليها ويؤدي مسئوليته تجاهها على أكمل وجه.. ولكن والدته وشقيقتيه صممن على أن يتزوج هو أولاً طالما لايوجد داع لتأجيل الزفاف بالنسبة لكلينا، وأنهن يردن أن يسعدن به سريعًا، وأن خير البر عاجله.. وبعض من هذه العبارات التي حاولوا بها إتمام الأمر دونما انتظار

وقد تم الزفاف بعد أول لقاء بثلاثة أشهر في حفل عائلي جميل ضم أناس كثر من الأهل والأصدقاء

ومن هنا تبدأ حكايتي معكِ التي أردت الوصول إليها ولكنني أطلت في المقدمات حتى أحيطكِ علمًا بكل ما كان

كان الحفل رائعًا وكان فستاني في قمة الجمال كما حلمت به منذ صغري.. هذا الفستان الأبيض الذي يشقينا لمجرد الوصول إليه.. هذا الفستان الأبيض الذي نحلم دومًا -نحن الفتيات- باليوم الذي سنرتديه فيه، فستان أبيض وإن مال إلى لون السكر شيئًا.. منقوش عليه الورود البيضاء.. وقد انتفش جزءه السفلي بفعل قماش التل الذي أضفى عليه لمسة من عصور الأميرات.. وهذه الطرحة الطويلة المنقوشة والتي تعطي علامة لمن ترتديها بأنها سيدة الحفل وجوهرته..

كان حفل من الأحلام، وقد قررنا -أنا وزوجي- أن نسافر بعد انتهاء الحفل لإحدى المدن الساحلية لنقضِ بها شهر العسل..

وقد كان..

ركبنا الطائرة مودّعين مَن لحق بنا إلى المطار، ومرّ الوقت داخل الطائرة ولم أشعر به لجم ارتباكي، نبهني صوت المضيفة وهي تعلن عن موعد هبوط الطائرة وتلقي علينا بعض التعليمات الخاصة بذلك

هبطت الطائرة وانتقلنا من المطار إلى الفندق الذي سنقيم فيه، كل هذا وأنا في حالة من الدهشة.. مَن هذا الذي أُسافر معه!!.. كيف أُسافر بصحبة رجل دون أبي وأمي!!.. كانت هذه هي أول مرة أشعر أنني أفتقدهم لهذه الدرجة، لأول مرة أسافر دونهما..، لأول مرة أذهب لهذه المدينة..، لأول مرة أشعر بالغربة.. رغم هذا الرجل الذي بجواري!!، وإن كان هو وقتها مبعث قلقي

ساهمة.. واجمة.. لا أنطق بكلمة

وصلنا إلى حجرتنا بالفندق بعد أن رحّب بنا العاملون والمدير نفسه
وهذه الإبتسامة التي ارتسمت على وجهي من أول اليوم لم تفارقه بعد، حادثني.. لم أنتبه لما قال.. وأخذ شريط حياتي يمر أمام عيني وأتذكر ألمع ذكرياتي.. أين أنا؟ لست أدري.. وكيف أدري؟!.. حقًا لا أستطيع تذكر ماذا حدث وقتها وكيف تطورت الأمور لأجدني أتناول السكين الموضوع بطبق الفاكهة بجواري .. وأطعن هذا الرجل.. زوجي.. هذا الكيان الذي لم يسيء إليَّ قط..

حقًا لست أدري لماذا فعلت هذا.. أو كيف فعلت؟..
وجدتني بعدها قد أفقت من وجومي ووجدت نفسي من هول الموقف أبكي .. بل أنتحب .. أصرخ.. أنادي عليه.. ماذا دهاني؟؟ ماذا فعلت؟؟ هل جننت حقًا!! فوجدته يجيبني -بقلب الأب الحنون الذي طُبع عليه منذ وفاة والده- "لا تقلقي لا تقلقي أنا بخير اطمئني" فتحولت انتحاباتي ضحكات -لاطمئناني أنه لازال حي يحدثني يشعر بي- يأبى صوت بكائي إلا أن يضفي عليها -الضحكات- نوع من الهستيريا "أنت بخير!!أنت كويس؟؟ أنا مش عارفة!! " ثم عدت إلى الانتحاب مرة أخرى وصوته يأتيني هذه المرة أضعف من سابقتها وهو يربت على خدي بيده الباردة -والتي زادت برودتها من فزعي- ليمسح دموعي ويطمئنني
قال لي " ناوليني الهاتف" وبدون تردد ناولته إياه، وقد أتت كلماته مرهقة "من فضلك أرسل سيارة إسعاف سريعًا لغرفة العروسين..حادث" وترك لي السماعة وهو يشحب لونه ويتصبب عرقًا، وأنا غارقة في ذهولي وبكائي وقد استحال لون فستان الزفاف من الأبيض إلى الأحمر بفعل دماء سيد الليلة، أمرني وبعد أن وضعت سماعة الهاتف أن أُبدل ثيابي قبل أن يأتي الإسعاف لأذهب معه إلى المستشفى، وقد فعلت دون تردد وفي سرعة لم أتخيلها

أتى فريق الإسعاف ليحملوه من الغرفة وأنا أهرول إلى جواره باكية أحاول سماع كلماته "لا تخبري أحد.. الفستان.. أرسليه إلى المغسلة.. لاتقلقي أنا بخير.. لا تجيبي على أي سؤال يوجه إليكِ أيًا كان"

وفي المستشفى وددت لو كنت قد فقدت الوعي حتى لا أشعر بمرور الوقت الذي تقتلني دقاته كل ثانية، خرج إليَّ الطبيب يحاول طمأنتي "لا تقلقي جرح بسيط ولله الحمد أنه لم يمتد إلى إحدى الأجهزة بالضرر البالغ" فأجبته كما لو لم أسمع ما قال "يعني هو كويس؟ متى يخرج؟ أقدر أشوفه؟" قال لي بهدوءه نفسه " قلت لك لا تقلقي هو بخير ولكن لن تستطيعين رؤيته الآن وسيخرج إن شاء الله بعد أسبوعين وسيكون هناك أسبوع للمتابعة" وهنا هدء بكائي شيئًا وأتت إليَّ الممرضة تخبرني بإمكانية التحاقي بإحدى غرف المستشفى للتأكد من سلامتي ولتهدئة أعصابي، وقد ركّبَت لي محلول وأعطتني حقنة منومة لما كان يظهر عليَّ من إرهاق

مر يومان وسمحوا لي برؤيته، دخلت عليه.. قبّلت رأسه ويده، طلبت إليه أن يغفر لي، فأجابني بحنيته الدائمة "الحمد لله أنها جت على قد كدة مش بيقولوا من الحب ما قتل الحمد لله أنهم مكانوش حاطين في الأوضة حاجة أكتر من السكينة التلمة دي.. لقد اخترقتي حصوني يا سيدتي ولكن بطريقتك الخاصة" فوجدتني أبتسم لدعابته والدموع تسيل من عيني فقال لي "وبعدين بقى !!!!!! إحنا فينا من كدة؟ أنتي بتعيطي علشان لسة صاحي ولا إيه؟ خلاص يا ستي ولا تزعلي أول ما هخرج من المستشفى هروح أرمي نفسي في البحر عشان ترتاحي" وهنا دخلت الممرضة بوجبة الغداء...

أول ما تناولته أنا من الصينية هو السكين المجاور للطبق.. قال لي بترقب مصطنع "إيه! ناوية تخلصي عليا المرادي؟!" فأجبته " اقتص" فضحك ضحكة عالية وقال لي "اقتص؟ هاهاها إحنا هنبدأ حياتنا وإحنا مقطعين بعض ولا إيه؟" فأجبته "بل اقتص" فقال لي وضحكاته لا تزال تتخلل كلماته " بقى يا ظالمة عوزة تخبطيني بسكينة معدن وتديلي أقتص بسكينة بلاستك؟ وده يبقى عدل ده؟ آه من كيد البنات آه" فابتسمت لما نبهني له وقلت له "أيا كان لن أغفر لنفسي ولن أقبل الزواج منك إلا بعد أن تقتص مني" وهنا كما لو كانت هبطت عليه فكرة كانت غائبة عنه فقال لي "وتتحملي طريقتي في القصاص؟" قلت له "نعم" قال لي " أيًا كانت؟" فقلت "أيًا كانت" فقال "إذًا تحملي نتيجة طلبك" وضغط الزر المجاور للفراش فأتت الممرضة وطلب منها أن ترسل في طلب الطبيب

عندما أتى الطبيب قال له أنه سيطلب منه طلب غريب ولكنه مُصر عليه؛ لكي تستقيم حياتنا بعدها، فسأله الطبيب عن هذا الطلب فأجابه أنه يريد منه أن يفتح لي جرح في صدري في الجهة المقابلة للقلب وأن يعيد خياطتها مرة أخرى بثلاث غرز-في مقابل الثلاثة غرز التي تطلبها جرحه، وهنا اندهش الطبيب لطلبه وأخبره أنه لا يستطيع فعل شيء كهذا طالما أنني لا أعاني من شيء، ولكنه ألح عليه الطلب وأخبره أنه لو لم يفعل هذا فإنني ربما أقتله في يوم من الأيام ومن يدري! ..، المهم أن وافق الطبيب -بعد محاولات مضنية مني ومن زوجي- على ألا يكون الجرح غائرًا مجرد علامة بثلاث غرز

وبعد أن انصرف الطبيب سألته "اشمعنى مقابل القلب تحديدًا؟" فأجابني أنه يريدني أن أضعه بقلبي وأغلق عليه

وهنا تضاحكنا.. وتحادثنا.. وجرت الأيام..

وعدنا إلى الفندق الذي لم نُقم به سوى أسبوع المتابعة، عدنا بعدها إلى مدينتنا وقد أوشك موسم الحج، فطلب مني زوجي ألا نبدأ حياتنا معًا إلا بعد أن نؤدي فريضة الحج لتكون أول حياتنا طاعة لله، وليطلب كلانا من الله ما يريد، ولتطمئن أنفسنا بحب الله، وليكون حجنا هو شهر العسل الذي لم نستطع قضائه في تلك المدينة، كل هذا ولم يعلم أحد من العائلة بما حدث، وقد تواعدنا أن يظل ما حدث هو أول سر في حياتنا الزوجية

ذهبنا إلى بيت الله الحرام.. ولن أستطيع أن أوصف لكِ كمّ الراحة الإيمانية والنورانية التي شعرنا بها بمجرد أن وطأت أقدامنا أرض مطار السعودية، لا إله إلا الله محمد رسول الله، لبيك اللهم لبيك..لبيك لا شريك لك لبيك.. حقًا قد منَّ الله علينا بأن جعلنا مسلمين له موحدين به وأن منَّ علينا بزيارة بيته الحرام ونحن في قمة شبابنا وقوتنا لنتمكن من أداء فرائضنا على أكمل وجه، ومرت أيام الحج ونحن في حالة من الروحانية الجميلة خلت معها النفس من كل شوائبها
وذهبنا من مكة إلى المدينة وزرنا قبر الرسول -صلوات الله عليه وسلامه- وسلمنا عليه ومكثنا بالمدينة بضعة أيام وكانت أول وأجمل وأسعد أيامنا معًا، لا أرى شهر عسل أروع من ثلاثة أيام في رحاب المدينة التي رحبت بالرسول الكريم وقت نَبَذَه أهل مكة، وكانت هذه الأيام الثلاثة كالدهر كله في سعادتها واطمئنانها وراحتها.. شعرت معها أنني وُلدت من جديد لأكون لهذا الرجل الذي ملأ عليَّ دنياي وديني وأراني ما لم أكن أحلم أن أرى من معان الحب والعطف والحنان، حقًا رجل تعجز معه معاني الرجولة من وصف فلقد خُلقَت منه الكلمة وانسابت منها معانيها

وعدنا إلى أرض الوطن ونحن راضين قانعين بما قسمه الله لنا من أيام الهناء التي افتتحنا بها حياتنا المقدسة، حياة تعاهدنا أن نبنيها على الحب والرضا والصراحة والأمان وكتم أسرارها عن كل البشر وأن نعتمد على أنفسنا في تخطي مطباتها دون إدخال شركاء ليُساعدوننا في دفع عربة حياتنا، فما نبنيه بأيدينا نحافظ عليه أكثر

وها أنا الآن وقد مر الأسبوع على عودتنا من هذه الرحلة المباركة أجدني أبدأ في ترتيب شقة عمري كما يطيب لي، ويقع في يدي هذا الفستان الأسطوري، والذي أبت تطريزات الورود به.. إلا أن تكون شاهدًا على ذلك اليوم العجيب.. بأن احتفظت باللون الوردي لآثار دماء رب سفينة حياتي، والتي كان لها جل الفضل في أن تُذكرني أن أقص عليكِ أيامي السابقة

سوف أضطر إلى إنهاء حديثي معكِ الآن؛ حيث أسمع وقع أقدام زوجي الغالي على السلم وهو عائد من عمله

وإن شاء الله سوف أواتيكِ بجديدي دائمًا يا مُعجزاتي الصغيرة

أستودعكِ الله الذي لا تضيع ودائعه

 

مُعجِزات © 2008. Design By: SkinCorner